كلام في الحداثة (1)
كتبهامهدي خيرالله ، في 17 مارس 2008 الساعة: 14:12 م
الإناء الفارغ قد يُملأ بأي شيء كان لأنه فارغ لا شيء يملأ فراغه ولكن إذا كان الإناء مُمتلئًا فلن يُمكننا أن نملأ المُمتلئ حينها إلا بتفريغه أولاً
فإذا كان ما به الماء مثلاً فمن السهل أن نسكبه ونضع مكانه ما نُريد ولكن ماذا لو كان صمغٌ مُتصلبًا بالإناء
أظن الأمر سيكون صعبًا جدًا
فتفريغ الإناء من الصمغ القوي المُتصلب سيتطلب جهدًا كبيرًا ولا يضمن الجهد أن يعود الإناء نظيفًا كما كان في أول مرة أبدًا
هكذا هي عقولنا مثل ذلك الإناء
نحن نولد ولا شيء يملأ عقولنا ولا نعرف أي شيء عن أي شيء فيملأ المحيطون بنا هذا الإناء بما لديهم
من المُعتقد و الفكر والقيم
فإذا كان الفكر صحيحًا كان كالصمغ من الصعب بحال
أن يتم تغييره أو تبديله ولكن إذا كان الفكر خاطئًا فهو كالماء الذي يُمكن للإنسان أن يسكبه في أي لحظة ليملأ العقل من جديد بفكر سليم
المُشكلة هُنا تكمن في الدراية بالسليم والفاسد
فالسليم في مُعتقد ما قد يكون فاسدًا في مُعتقدٍ آخر
والعكس وعليه فبناء على معتقد كل إنسان يمكن تحديد
أي الأفكار كالماء وأيُها كالصمغ الصلب
بالنسبة لسلامتها أو فسادها من وجهة نظره
التي لا تكونها إلا تجاربه وخبراته السابقة
وما لديه من الخلفية الدينية والثقافية و الأعراف الاجتماعية و الظروف التي نشأ فيها والمبادئ التي تربى عليها وبناء عليه فالمذاهب أو المناهج الصالحة لعلاج آفة مُجتمع ما ليست بالضرورة مُفيدة لمُجتمع آخر بل قد تكون مُفسدة لأنها تدعو إلى شر بالنسبة له
وهنا تكون للجهل كلمة عُليا
ولا شك أن الجهل بأمر ما يساوي فراغ العقل منه
مما يعني وجود مساحة غير مُستغلة على أتم الاستعداد لأن تُملأ بما يُشبع رغبتها من المعرفة والدراية بهذا الأمر
فإذا كان المُستقبلُ من المعرفة سليمًا
فلا مُشكلة
ولكن إذا كان المُستقبل منها فاسدًا فهنا يكمن الخطر العظيم حيثُ ستُطبع هذه المعرفة في ذهن المُتلقي وسيكون من الصعب إقناعه بسوء ما يعتنق
وتزداد الصعوبة بزيادة المدى الزمني الذي اعتنق
فيه هذا الفكر الخاطئ أو المُعتقد الغير سليم
فكما قرأت في مقولة إعلانية نصت على أن
(الانطباعات الأولى تدوم)
وإن كان الإيمان بها على الإطلاق قد يجانبه الصواب
فإذا سبقت الكلمة تدوم الكلمة غالبًا لتكون
(الانطباعات الأولى غالبًا تدوم)
كان الأمر مقبولاً أكثر
حيثُ أن الواقع يعترف بأن بعض الانطباعات الأولى لا تدوم لظهور ما يُخالف المعنى الذي حملته في البداية
أعلم أن الإطالة قد نالت من حرفي فيما سقط بالأعلى
ولكنها مُقدمة لم أكن لأبدأ حديثي دون تناولها
حيثُ سادت العقول الفارغة والممتلئة بالأخطاء
وهي في الغالب لا تعلم أنها أخطاء وكما أخبرتني الكاتبة (سلمى زيادة) ذات حديث بيننا أن بريق المُفردة يُغري
وأضيف أن غرابة الأسلوب أيضًا تُغري واختلاف السياق عن المألوف يُغري واستخدام الغريب من الألفاظ والتراكيب يُغري والتمكن من البلاغة واللغة يُغري
ولكن علاما يُغري ؟
أيُغري على تفريغ العقول مما بها من المُعتقد لأجل إظهار العبقرية اللغوية أو البلاغية ؟ أيُغري على التطاول على مُفردات العبادة وإلحاقها بنصوص تنبعث منها روائح كريهة لأفكار مريضة ؟ أم يُغري على اختيار الطريق الخطأ لنسير فيه دون خوف رغم العتمة المُنتشرة والتي أساسها البعد عن سراج الدين ؟
أم يُغري على أن يحتج أحدهم بأية من كتاب الله تعالى ليرد عليه آخر بأن حل المسألة يوجد في كُتب كذا وكذا التي ألفها بشر يُخطئ ؟
في الواقع لم أجدْ لما بالأعلى من أسئلة إجابات شافية
ولكن كلما تكلمت مع أحدهم قال إنها الحداثة
فتأكدت أن كل البلاء الذي نعيشه كقراء وكتاب ومُثقفين
يكمن في فهم خاطئ لمفردة ما أو جهل تام بها
يجعل بعضهم يرددها كلما ضاق عليه الخناق وكلما ظهر له حجم السواد الذي يُغلف أحرفه
ولن أنكر أني وحتى عهد قريب كنت أحسب الحداثة
هي التجديد وكما قرأت فالمعنى اللغوي لها يدعم ما كنت أظن ولكن ماذا عن معناها الاصطلاحي ؟
دُفعت دفعًا للقراءة عن هذا المنهج أو المذهب لأجل الوقوف على أسباب الانقياد الغريب لمبادئه المُريبة
فظاهر الشيء يدل ولو دلالة جزئية على باطنه والظاهر كان مليئًا بما يؤكد أن لهذا الفكر أغراضًا و أن هذه الأغراض بعيدة عن إهتمامنا فمجهولة أو أنها معلومة ومفهومة بصورة لا تؤدي بالضرورة إلى مُعارضتها لوجود مُبررات تُبررها وعندما قرأت عنها زاد تأكدي أن الشيء إذا بُني على باطل كان باطلاً وكان تأييده مُصيبة
وللحديثِ بقية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | السمات:مقالات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج























