كلام في الحداثة (2)

كتبهامهدي خيرالله ، في 17 مارس 2008 الساعة: 14:30 م

ولما كان التأثر بوجهة نظر مُعينة
مدعاة للدفاع عنها وعدم الاقتناع بما يُخالفها كان البحثُ عن حقيقة هذا المُصطلح ضرورة مُلحة
لأجل الوقوف على جوانبه الإيجابية و السلبية ومن ثم
تحديد موقف تجاهه

فماذا عن مفهوم الحداثة ؟

كان عالم الاجتماع الفرنسي آلان تورين قد عرّف الحداثة على النحو التالي: إنها تعني انتصار العقل وإحلال العلم محل اللاهوت المسيحي، داخل المجتمعات الاوروبية. فالعقل هو الذي يوجه العلم وتطبيقاته على ارض الواقع. وهو الذي ينظم المجتمع بطريقة مناسبة لإشباع حاجيات افراده وإسعادهم. وهو الذي يحلّ دولة القانون والمؤسسات محل دولة الاعتباط والامتيازات والرشاوى والمحسوبيات. وجوهر الحداثة الحرية: أي حرية التفكير والتعبير واستقلالية الضمير البشري بالقياس الى كل العقائد الدوغماتية المفروضة عليك من فوق، غصبا عنك وبدون أي نقاش . (1)

اذا كان لا يشبعنا تعريف آلان تورين للحداثة، فلماذا لا ننتقل الى فيلسوفها الاكبر في هذا العصر: يورغين هابرماس؟ يقول هذا المفكر الموسوعي، الذي يعتبره البعض بمثابة هيغل او كانط جديد، ما يلي: الحداثة تعني تفكيك التصورات الأصولية للعالم وحلول التصورات العلمية والفلسفية محلها. (2

وبعد هذه التعريفات ذكر الكاتب لقطة ما

انها تعني انتصار العلم والعقل على النقل والتراث المتراكم الجبار. ولكن هذا التفكيك التحريري الكبير ـ والمرعب ايضا ـ لم يحصل حتى الآن إلا في اوروبا. والسؤال المطروح هو التالي: لماذا انتصرت العقلانية في اوروبا والغرب المتقدم عموما فقط، ولم تنتصر حتى الآن في أي نطاق ثقافي آخر؟ هذا السؤال يحرج الكثيرين في الصين والهند وروسيا والعالم العربي الاسلامي بالطبع، بل حتى اليابان. لماذا؟ لأن انتصار الحداثة في بلاد الأباطرة كان على صعيد التقدم التكنولوجي والمردودية الاقتصادية وليس على صعيد الفكر العميق وزعزعة اليقينات التراثية. وأخيرا سوف اقول منعا لكل التباس: اني لا افهم الحداثة كنقيض للدين في المطلق، وانما كنقيض للمفهوم الظلامي، الاستبدادي، الطائفي للدين. اقول ذلك وأنا اعلم ان الحرية الدينية، أي حرية الضمير والمعتقد، ليست متوافرة إلا في المجتمعات التي انتصرت فيها الحداثة وترسخت. ولكن هذا الانتصار لن يتحقق عندنا قبل عشرات السنين . (3

وبعد التعريف الأول للحداثة يتضح أن أساسها يكمن في الحكم على كل شيء بالعقل فقط وتؤيد انتصار العقل وأرى الكلام واضحًا ويشرح نفسه وعندما يقال أن جوهر الحداثة هي الحُرية
لابد وأن يصعد إلى الذهن مُباشرة سؤال هام
وما هي الحُرية في عرفهم وما هي الحُرية في شرعنا ؟
الأكيد أن الحُرية المُطلقة هي محض كذبة فلا وجود لحُرية مُطلقة في ظل وجود قواعد تُنظم هذه الحياة فباستبعاد الشرع والنظر إلى القوانين البشرية الصُنع سنجد أنها تُمثل قيدًا لحرية الإنسان فلو ترك الحبل على الغارب لفسدت الأرض
ولكن الكاتب وضح معنى ما ذكر في الأخير فقال

(واستقلالية الضمير البشري بالقياس الى كل العقائد الدوغماتية المفروضة عليك من فوق، غصبا عنك وبدون أي نقاش)

وهذا لا يدع مجالاً للشك أن الحُرية لدى هذا المبدأ تتضمن الخروج عن مبادئ الشرع لديهم ومن ثم لدى أي مُتبع لذات المنهج دون فهم له
وبالنسبة لوجهة نظر الكاتب فأرى أن تبريره لعدم انتصار الحداثة إلا في أوروبا قد جانبه الصواب حيث أنه ربط استخدامهم لمفهوم الحداثة وتطبيقهم لنظريات الفكر الحُداثي بصعيد التكنولوجيا والتقدم ونسي أو تناسى التعريف السابق لها
والذي يدعو إلى الإيمان بالعلم والعقل إيمانًا تامًا وإلى تفكيك الأصول واستبدالها بالفلسفات
وهذا الكلام إذا كان مقبولاً في أوروبا للعلم بما عاشت أوروبا فيه من الظلام بسبب تعنت الكنيسة وسيطرتها ووقوفها في وجه العلم كثيرًا أمام علماء كغاليليو أو كوبرنيكوس
فهو غير مقبول لدى غيرها على الإطلاق وخصوصًا لدى الدين الإسلامي والذي يدعو إلى طلب العلم و مواكبة التطورات ولكن ليس ذنب الإسلام أن مُطبقي ما فيه من الخير قليل .

وللحديثِ بقية

(1)،(2)،(3) نقلاً عن موقع جريدة الشرق الأوسط ، الكاتب / هاشم صالح

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر